"طمي مغربي"في حضرة الحراس
سقطت "نور" و"ليلى" فوق رمال ناعمة لكنها لاهبة، كأنها خرجت للتو من فرن مشتعل. ساد صمت مطبق لثوانٍ، لم يقطعه سوى صوت "كحة" ليلى وهي تحاول طرد الرمل من فمها، بينما كان قناع الطمي الأسود على وجهها قد بدأ يجف ويتشقق بفعل الحرارة المفاجئة، لتبدو وكأنها لوحة سريالية محطمة.
نور (وهي تفتح عينيها بصعوبة وتهمس): "ليلى.. أنتِ كويسة؟"
ليلى (بصوت مخنوق): "أنا كويسة إيه يا نور؟ أنا حاسة إن ظهري اتقسم نصين.. وبعدين إيه النور ده كله؟ هو إحنا في "دريم بارك" والكهرباء رجعت مرة واحدة؟"
وقفت نور ببطء، ونفضت الغبار عن قميصها القطني، ثم تجمدت مكانها. لم تكن هناك أسوار الحي الرابع، ولا مآذن مسجد الحصري البعيدة. أمامها مباشرة، كان هناك مشهد لا يراه البشر إلا في الكتب أو في أحلام اليقظة: الهرم الأكبر، لكنه ليس ذلك الجبل الحجري الكئيب الذي نراه اليوم، بل كان يلمع بكسوة من الحجر الجيري الأبيض الناصع، يعكس ضوء الشمس بقوة تجعل العين تدمع، وقمته مغطاة بكتلة ضخمة من الذهب الخالص تخطف الأنفاس.
نور (بذهول وانبهار): "مش ممكن.. ده عصر بناء الأهرامات.. ليلى، إحنا مش في أكتوبر، إحنا في الدولة القديمة!"
ليلى (وهي تنظر حولها برعب): "دولة قديمة إيه يا بنتي؟ شوفي الناس اللي جاية علينا دي، دول شكلهم ميهزروش خالص! وبعدين إيه اللبس اللي هما لابسينه ده؟ دول ناقصهم كاميرا ويبقوا في مسلسل (الملك)!"
من بين تلال الرمال، ظهر خمسة حراس مدججين بالسلاح. كانوا طوال القامة، مفتولي العضلات، جلودهم اكتسبت لوناً نحاسياً لامعاً من شمس النيل. ارتدوا "النقبات" الكتان البيضاء القصيرة، وحملوا رماحاً برؤوس برونزية ودروعاً من جلد الثور.
تقدمهم شاب، كان يفيض بالهيبة والصرامة. ملامحه كانت حادة كصقر، وعيناه مكحلتان بالكحل الأسود التقليدي الذي زاد من حدة نظراته. بمجرد أن رآهم، رفع رمحه وأشار نحوهم بصوت كالرعد باللغة المصرية القديمة (التي فهمتها نور بفضل دراستها وسحر البردية):
الآمر (آسر): "قف مكانك أيها الغريب! من أنتما؟ ومن أي أرض سحرية أتيتما بهذه الملابس الغريبة والوجوه الممسوخة؟"
ليلى، التي لم تفهم كلمة واحدة لكنها رأت الرمح موجهًا لصدرها، رفعت يديها بتلقائية وهي تصرخ بالعامية المصرية:
"يا كابتن والله إحنا غلابة! إحنا في كلية آثار، يعني زمايلكم في المهنة! وبعدين نزل السكينة دي لتجرح حد، إحنا ضيوف عندكم!"
نظر الآمر (آسر) لليلى بذهول ممزوج بالقرف من منظر وجهها الأسود المشقق: "ما هذا الكائن الذي يتحدث بلغة الطيور؟ وهل هذا القناع الأسود هو نوع من اللعنات الجسدية؟"
نور (بسرعة محاولةً تدارك الموقف بلغة مصرية قديمة ركيكة): "أيها القائد العظيم.. نحن.. نحن مسافرتان ضلتا الطريق. أنا (نور) ابنة (الكاتب)، وهذه صديقتي (ليلى). ووجهها ليس لعنة، بل هو.. هو طقس تجميلي من بلاد بعيدة!"
أخفض "آسر" رمحه قليلاً، لكن الشك لم يغادر عينيه. اقترب من نور حتى صار يفصل بينهما إنشات قليلة، لدرجة أنها شمت رائحة بخور "المر" والزعفران المنبعثة منه، وهي نفس الرائحة التي تشمها في طرقة شقتهم في أكتوبر!
آسر (بهمس حاد): "ملابسكم لم تصنع في مصر، وكلامكم غريب، وتوقيت ظهوركم عند سفح الهرم المقدس في يوم (عيد الفيضان) يضعكم تحت طائلة الموت. ستأتون معي إلى (قصر المشورة) ليقرر الكاهن الأعظم مصيركم."
ليلى (بهمس لنور): "بقولك إيه يا نور، الواد ده شبه الجار اللي عندنا فوق أوي، بس على "أجمد" شوية.. تفتكري لو عزمتيه على القهوة هيوافق ولا هيغزنا بالرمح ده؟"
نور (بحدة): "ليلى! إحنا حياتنا على المحك وأنتِ بتفكري في الكراش؟ امسحي الهباب اللي على وشك ده بأي حاجة قبل ما يفتكروكي عفريت من العالم السفلي!"
سار الحراس خلفهم، يحيطون بهم كالسياج. كانت الرحلة نحو ضفاف النيل مليئة بالمفاجآت. رأوا العمال وهم يجرون الكتل الحجرية الضخمة، وسمعوا غناءهم الجماعي الذي يهز الأرض. ليلى كانت تحاول "التحفيل" على كل شيء تراه لتداري رعبها، بينما نور كانت غارقة في تحليل كل تفصيلة معمارية تراها، وكأنها في حلم لا تريد الاستيقاظ منه.
وفجأة، توقف الركب أمام مبنى عظيم، مزين بالأعمدة التي تشبه زهور اللوتس. وهناك، وقف شاب آخر، كان يبدو أنه المساعد الأول لآسر (زين)، وكان ينظر لليلى بنظرة لم تفهمها.. هل هي إعجاب أم رغبة في استدعاء الطبيب الملكي؟
زين (بسخرية): "أيها القائد، هل أحضرت لنا كائنات من بلاد (بونت) أم أن هذه هدايا من الآلهة لتسلية الملك؟"
ليلى (بصوت عالٍ لزين): "بتقول إيه يا "أبو عضلات" أنت؟ والله لو مسكتك في أكتوبر لأخلي (السايس) يعمل معاك الجلاشة! احترم نفسك إحنا بنات عائلات!"
نظر زين لآسر وقال ببرود: "إنها صاخبة جداً.. هل نلقي بها للتماسيح لترتاح آذاننا؟"
آسر نظر لنور، التي كانت تحاول تهدئة ليلى، وشعر بشيء غريب.. كأنه رأى هذه العينين الواثقتين من قبل، في مكان ما، في زمان ما..
آسر: "لا.. هذه ستكون تحت حمايتي الشخصية حتى أعرف سر (البردية) التي تمسك بها يدها."